أنت هنا

جزر مزروعة بالبذور في الصحراء الأوزبكية

الخميس, يوليو ۲٦, ۲۰۱۸

مرت أربع ساعات من القيادة باتجاه الجنوب الغربي من العاصمة الأوزبكية طشقند لنجد أنفسنا محاطين بالهضاب الملتفة القابعة تحت أشعة شمس لفحت قرية موغول في منطقة جيزاخ. وما أن تركنا الطريق الرئيسية وسلكنا مساراً أفعوانياً رُصف بالحصى المكسرة حتى وصلنا إلى أرض مسورة تعود ملكيتها لأحد المزارعين، وتكسوها أعشاب ذابلة بعد أن سفعتها الشمس لتتماوج مع نسمات الصيف الخجولة.

"هذه الأعشاب ليست بجافة" هذا ما أكده المُزارع رستم عبد الستاروف، مضيفاً: "إن قمت بثني ساقها فسترى كم أنها طرية." بكلماته هذه عرفنا بمحصول علفي يسمى "كوخيا"، أو المشهور أكثر باسم فصة الصحراء، وهو غني بالحريرات كعلف للأغنام والماعز والإبل حيث يتوافر على مدار العام.

ينحدر السيد رستم عبد الستاروف من أسرة زراعية. فأبوه كان راعياً وأمه عملت في الحقل والاهتمام بالمحاصيل. وكونه الأصغر بين إخوته الستة، كان يراقب الأغنام التي تملكها أسرته في المراعي القريبة المحيطة بقريته، ويساعد أباه في أعمال تسمين الحيوانات. إذ اعتادت الأسرة على شراء الحيوانات الضعيفة وتسمينها بإطعامها الأعشاب بطريقة مكثفة، ليتم بيعها لاحقاً في سوق اللحوم. لقد كانت المراعي غنية بالأعشاب آنذاك.

لكن مع الأسف تغيرت هذه الحال الآن؛ فقد أسفر الرعي الجائر وسوء إدارة الحيوانات، وكذلك الممارسات الزراعية غير المستدامة إلى جانب تأثير التغير المناخي عن تشجيع ظهور نباتات غازية غير مستساغة، ما سبب تراجع إنتاجية المراعي الطبيعية وقدرة النظام الإيكولوجي على التكيف، لاسيما في المراعي شبه الصحراوية الواقعة عند سفح الهضاب حيث تسببت الأعداد الكبيرة للحيوانات بنقص العلف الأخضر فيها.

تحتل المراعي الطبيعية في أوزبكستان مساحة ۲۳ مليون هكتار، أي نحو ۵۰ في المائة من إجمالي مساحة البلاد، وتوفر الغذاء والمأوى لما يزيد على مليوني ريفي.

تقول الدكتورة كريستينا تودريتش، المنسقة الإقليمية لدى المركز الدولي للزراعة الملحية (إكبا) المعنية بمنطقة آسيا الوسطى والقوقاز: "القطاع الزراعي هو الأكثر حساسية لصدمات الطقس والتباين المناخي في أوزبكستان... وإن لم تتخذ الإجراءات الازمة للتكيف، فقد يؤدي تدهور الأراضي والتغير المناخي إلى تأثير ملحوظ يطال دخل سكان الريف، الذين يستثمرون في الحيوانات كطريقة آمنة للتوفير."

وبتقديرات بسيطة نجد أن الرعي الجائر وحده مسؤول عن ۵۰ في المائة من إجمالي تدهور المراعي الطبيعية، ليحل الاحتطاب ثانياً من خلال قطع الأشجار والشجيرات.

وفي عام ۲۰۱۵ تضافرت جهود إكبا مع الجهود التي تبذلها حكومة أوزبكستان وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لإطلاق الأعمال الرامية على تحفيز الممارسات الفضلى في إدارة الأراضي ضمن مشروع يهدف إلى تخفيف الضغط على المراعي الطبيعية.

وقبل زراعة بذور شجيرات عالية الإنتاجية تتسم بمقاومتها للجفاف وتحملها للملوحة كالقطف والكوخيا الرعوي والميرمية والقطف الملحي والكركم والهليون بمساحة ۱۵ هكتار، تم عمل العديد من الخطوط في الأراضي بعرض ۱۰ أمتار وبطول كيلومترين، لتترك مسافة ۵۰ متراً من التربة دون مساس بين كل من الجزر المحروثة والمزرعة بالبذور.

أخذت بذور القطف من صنف محلي جديد تم استنباطه وتقديمه إلى اللجنة الحكومية للأصناف عام ۲۰۱۵ من قبل معهد تربية أغنام كاراكول وبيئة الصحراء باستخدام أصول وراثية من إكبا.

تقول الدكتورة تودريتش: "في منطقة سفوح الهضاب ذات الطبيعة شبه القاحلة، تعد البذور طريقة غير مكلفة لإنتاج أعداد كبيرة من الشجيرات الجديدة. ومن شأن الجزر المزروعة بالبذور التخفيف من أعباء العمل، توفير التكاليف، فضلاً عن أنها تغطي الأراضي بالنباتات دون الإضرار بالطبقة السطحية للتربة."

تصل تكلفة تنفيذ تكنولوجيا تحسين مساحة هكتار واحد من الأراضي الرعوية إلى زهاء ۱۰۰ دولار أمريكي؛ يُنفق نصف هذا المبلغ على معاملة التربة، بينما يُنفق النصف الآخر على شراء البذور والحراثة.

وخلال السنة الأولى من الزراعة، توفر الشجيرات ۱۵۰ كغ من المادة الجافة في الهكتار، لتزيد خلال السنة الثانية على ۲۲۰ كغ/هـ من المادة الجافة، و٤۰ كغ/هـ من البذور. في حين تصل الغلال الجافة خلال السنة الثالثة إلى ۸۰۰ كغ/هـ و۱۰۰ كغ/هـ من البذور.

وعند استخدام تكنولوجيا جزيرة البذور، ستنتشر بذور النباتات إلى المناطق غير المغطاة بفعل الرياح خلال فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، ما يؤدي إلى استعادة المراعي الطبيعية.

ومع هذا القطيع المؤلف من ۳۰۰ رأس غنم و۳٤ بقرة، يجهد السيد عبد الستاروف في توفير أعلاف كافية، حيث يتعين عليه شراء الأعلاف من السوق. ونظراً لانحباس الأمطار هذا العام، من المتوقع أن ينفق ۷,۵۰۰ دولار أمريكي على الأعلاف، وهي تكلفة باهظة في بلد يبلغ فيه متوسط الراتب أقل من ۲۰۰ دولار أمريكي.

أما التحدي الآخر فيتمثل في حماية حقوله من الجوار قصيري النظر، الذين أقدموا ذات يوم على حرق أراضيه لرفضه السماح لقطعانهم بالدخول إليها. لكنهم اليوم يبدون اهتماماً بأنشطته.

رغم هذا، تبقى آمال مُزارعنا كبيرة بالسنوات القادمة. فحالما ترسى أسس هذه التكنولوجيا، سيصبح بالإمكان زراعة شجيرات معمرة خليطة واستخدامها كأعلاف للرعي لفترة تنوف على ۲۰ عاماً.