أنت هنا

الباحثون يتطلعون إلى محاصيل متحملة للملوحة لصالح مستقبل الزراعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

السبت, أكتوبر ۲۰, ۲۰۱۸

بحثت دراستان - نشرهما مؤخراً فريق من علماء المركز الدولي للزراعة الملحية (إكبا) - كيفية تأقلم محاصيل متحملة للملوحة كالعصفر والكينوا مع ارتفاع مستويات ملوحة التربة والمياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

فهذه المنطقة، التي تشكل موئلاً لنحو ۳۸۰ مليون شخص، تندرج بين المناطق التي تشهد أكبر معدلات تحضر على مستوى العالم، ما يزيد في الضغط على النظام الزراعي المثقل أصلاً. وقد يواجه نحو ثلث مساحة الأراضي في المنطقة معوقات على مستوى إنتاج المحاصيل نتيجة التغير المناخي. ما يعرض بالتالي مصادر المعيشة الريفية إلى تهديدات قد تسفر عن ارتفاع أكبر في معدلات الهجرة إلى المراكز الحضرية. ونظراً للطبيعة القاحلة التي تتسم بها دولة الإمارات العربية المتحدة - حيث نُفذت الدراستان - نرى أن البلد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية لتأمين الأغذية لسكانه المتنامية أعداده. فالظروف الجافة، المقترنة بالتغير المناخي، تقف حجر عثرة أمام الإنتاج الزراعي وتضع أعباءاً ثقيلة على موارد المياه. أما ملوحة التربة، أو ما يعرف بمحتوى التربة من الملح، فيشكل عقبة رئيسية أمام إنتاج المحاصيل تضاف إلى سابقتها، وتتفاقم بفعل محدودية الهطولات المطرية، وارتفاع درجات الحرارة، ناهيك عن الاستخدام الجائر لموارد المياه الجوفية. فجميع العوامل آنفة الذكر التي تسود دولة الإمارات العربية المتحدة تعمل على الحدّ من كمية الأغذية التي يمكن للبلد إنتاجها بنفسه.

بعبارة أخرى، سيعتمد الأمن الغذائي على مستوى البلدان والمنطقة ككل من جملة الأمور الأخرى على تحديد وزراعة محاصيل تلائم الظروف البيئية القاسية السائدة فيها.

فقد انبرى معدّو الأوراق البحثية لدراسة قضية ملوحة التربة وإنتاج المحاصيل من خلال دراسة حالات التباين في الطرز الوراثية لنبتتي العصفر (Carthamus tinctorius L.‎) والكينوا (Chenopodium quinoa Willd.‎).‎ فالعصفر، وهو أحد محاصيل البذور الزيتية، لا يقتصر استخدامه على النواحي التجارية فحسب، بل نظراً لما يتسم به من مجموع جذري عميق، فإنه يعتبر ملائماً بصفة خاصة للمناطق القاحلة والتربة الرملية. أما محصول الكينوا المغذي، وهو نبات واطن في منطقة الأنديز في أمريكا الجنوبية، فهو نبات قوي يتسم بمستوى تحمل كبير للجفاف والملوحة.

وقام العلماء باختبار ستة طرز وراثية لكل نوع نباتي، وخلصوا إلى أنه بينما تقلص ملوحة التربة من إنتاج المحصول، تبقى الطرز الوراثية المتحملة قادرة على الإنتاج ضمن الظروف المناوئة. ومن بين شتى المتغيرات اختبرت الدراستان كفاءة استخدام المياه الذاتية (iWUE)، حيث أن الكفاءة المائية للنبات تعطي معلومات مهمة حول مدى تحمله لمختلف الظروف البيئية. وقد أثبت الكينوا قدرة خاصة على التأقلم، فما يتمتع به من إمكانية تغيير كمية المياه في أوراقه تساعده في المحافظة على قوته وتخفيض النتح، وهما صفتان مفيدتان في البيئات الجافة والمالحة على وجه الخصوص. وبالمثل، أظهرت الطرز الوراثية للعصفر قدرة تحمل كبيرة للملوحة، حيث يشير الباحثون إلى أن عمق المجموع الجذري للنبات يعتبر صفة مفيدة في التربة ذات النوعية المتدنية. كما أشار الباحثون إلى أهمية تطوير الطرز الوراثية للمحصولين بحيث يمكن زيادة الغلال ورفع مستوى كفاءة استخدام المياه فيهما.

إذا ما نظرنا إلى هذه النتائج مجتمعة لوجدنا أنها تعطي رؤى مهمة نحو مستقبل الزراعة في دولة الإمارات العربية المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ككل. فعلماء التغير المناخي يشيرون إلى احتمال زيادة درجات الحرارة وموجات الجفاف والفيضانات وتدني نوعية التربة على امتداد بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أما الأمن الغذائي والاقتصادي في المنطقة فسيستفيد من تحديد وتطوير محاصيل مغذية ومجدية اقتصادياً وقادرة على تحمل الاضطرابات التي ترافق زراعتها بفعل التغير المناخي.