أنت هنا

الزراعة في الصحراء الأوزبكية

الخميس, ديسمبر ۲۷, ۲۰۱۸

رغم التحذيرات بالحرارة المرتفعة التي لا يمكن تحملها صيفاً في الصحراء، إلا أن صحراء كيزيلكوم رحبت بنا بطقس دافئ لطيف وسكون يبعث على الراحة. وما إن مضينا في عمق الصحراء حتى باتت تلك الطريق القصيّة التي تكسيها الحفر المؤشر الوحيد على وجود البشر في تلك المنطقة، لتشطر بذلك سهول الصحراء الحمراء المُحاطة بسلسلة من بقايا هضاب برزت بين ثناياها صخور تعود إلى الحقبة الحياة القديمة.

مضيفنا في هذه الرحلة كان السيد عادلبيك خوجانوف الذي يعيش مع زوجه وحفيديه في قرية كيزيلكيسيك. قرية تسورها شجيرات الهالوكسيلون (من الفصيلة القطيفية) وتشكل موئلاً لسبع أسر، أو ۳۲ شخصاً. أما جيرانه فينعتونه بالمحظوظ نظراً للآبار الارتوازية ذاتية التدفق في أرضه والتي يستخدمها في زراعة البطيخ والمحاصيل العلفية التي يقدمها لقطيع صغير يمتلكه.

وبمساحة تصل إلى نحو ۳۰۰,۰۰۰ كم مربع، تحتل صحراء كيزيلكوم المرتبة السادسة عشرة من حيث الاتساع على مستوى العالم. وتقع بين نهري أموداريا وسيرداريا، لتتقاسمها كل من كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان.

ورغم الشح الكبير في المياه السطحية على امتداد صحراء كيزيلكوم، إلا أنها تتسم بغناها باحتياطي من المياه الجوفية المالحة المضغوطة. وقد كانت الصحراء لسنوات طويلة مرعى للحيوانات، لاسيما لأغنام كاراكول والإبل.

إلا أن هذه الصحراء الممتدة فوق ثلثي مساحة أوزبكستان قد باتت نظاماً بيئياً معرضاً للخطر بعد أن أصابها تدهور شديد خلال العقود الأخيرة بفعل الاعتماد على زراعة محصول واحد والرعي الجائر.

تقول الدكتورة كريستينا تودريتش، المنسقة الإقليمية لبرنامج آسيا الوسطى والقوقاز التابع للمركز الدولي للزراعة الملحية (إكبا): "باتت ندرة المياه العذبة في أوزبكستان، التي تعتبر الزراعة فيها المصدر الرئيسي للمعيشة، حجر عثرة يقف في طريق زراعة الكمية الكافية من الأغذية والأعلاف للإيفاء باحتياجات السكان المتنامية أعدادهم. إذ ثمة حاجة ماسة إلى تحديد نظم إيكولوجية إنتاجية بديلة من شأنها المساعدة على استخدام الموارد الهامشية المتوافرة في المنطقة، بما في ذلك استخدام المياه ذات النوعية المتدنية في الري."

وينفذ إكبا منذ عام ۲۰۰٦ تجارب بحثية وأخرى حقلية في المنطقة الوسطى من صحراء كيزيلكوم بهدف إدخال نباتات محبة للملح تتسم بتحملها للبرودة والحرارة والجفاف، كالدخن اللؤلؤي والذرة الرفيعة والقطيفة والعصفر والكينوا وغيرها من المحاصيل، وذلك باستخدام مياه الآبار الارتوازية الغنية بالمعادن.

وترى الدكتورة تودريتش أن استخدام مياه الآبار الارتوازية الغنية بالمعادن لصالح الزراعة المروية في صحراء كزيلكوم يعد تقانة مبشرة. ففي مقاطعة كانيميخ، يمكن تأسيس زراعة مروية فوق مساحة تتراوح بين ۳۵۰-٤۰۰ هكتار اعتماداً على ٦۳ بئراً ذاتية التدفق بغزارة ۱۵-۱۸ لتر في الثانية لكل منها، حيث يمكن تطبيق ذلك فوق مساحة ۲۵,۰۰۰ هكتار على امتداد صحراء كزيلكوم.

ولدى تطبيق هذه التقانة، سيتكمن المزارعون في الريف من كسب نحو ۲۰۰ دولار أمريكي، وجني ۳-۵ أطنان من التبن، و۱.۵-۲ طن من حبوب القمح الشتوي؛ وكذلك ٤۸-۷۸ طناً من الذرة الصفراء والذرة الرفيعة وسيلاج الدخن؛ و۱٤.٤-۱۵ طناً من دريس الفصة؛ و۲۳ طناً من دريس الكتلة الحيوية فوق الأرضية لعرق السوس وحتى ۱۰ أطنان من دريس نباتات محبة للملح.

قادنا عادلبيك إلى الحقل واضعاً حفيده على كتفيه. ففي مطلع أغسطس/آب، زرع الدخن اللؤلؤي والذرة الرفيعة لاستخدامهما ككتلة خضراء خلال فصل الشتاء. أما حفيده ذو الثلاثة أعوام، ماجان، الذي سُمي على اسم شاعر كازاخي شهير، فأصر عليه أن يأخذنا إلى حقول أخرى لالتقاط صور له مع البطيخ الأحمر. عادلبيك لبى طلب صغيره، ليقول مبرراً: "لقد غادر والداه كازاخستان، الأمر الذي تسبب في بؤس هذا الطفل."

أما ولداه وزوجة ابنه فيغادرون إلى بلد مجاور بشكل موسمي بحثاً عن أعمال أفضل أجراً، بينما تمكث زوجته في موطنها للعناية بالأولاد. 

يتطلع عادلبيك إلى تطبيق التقانة على نطاق أوسع بهدف زيادة دخل الأسر الريفية خلال المستقبل المنظور. ويقول: "لدي حلم واحد هو أن أرى أولادي يعيشون في بحبوحة. آمل بأن يكفوا عن السفر إلى خارج البلاد يوماً، وأن يتابعوا عملي هنا."